الفيكونت فيليب دي طرازي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الفيكونت فيليب دي طرازي

مُساهمة  كيرلس في الجمعة مايو 23, 2008 3:37 am

لقد انتقل إلى رحمته تعالى في منتصف ليل الثلاثاء 7 آب 1956 في مصيفه بعاليه (لبنان) الكبير و السيد النبيل الفيكونت فيليب دي طرازي، مخلفا وراءه أثرا حميدا وذكرا جميلا لسنين طويلة سلخها في المطالعة و الإنشاء و التحبير و شفعها بالنشر و السخاء و العطاء، حتى أصبح ذكره يضمخ كل لسان، و اسمه مسجلا بنور في كل جنان.

اسرته: الفيكونت فيليب دي طرازي مفخرة من مفاخر المسيحية و ركن من أركان النهضة الأدبية و العلمية في الشرق أدناه و أوسطه و أقصاه. ولد فيليب من أسرة يرتقي منشأها إلى القرن السابع عشر في مدينة حلب. و لما حدثت النكبة المعروفة عام 1850 في الشهباء و ضاقت أسباب الهناء و مؤيدات الحرية بين أهليها، رحل جانب كبير من النصارى إلى بلاد مختلفة، في جملتهم أولاد يوسف المقدسي نصر الله طرازي الذين لحقوا بأبناء عمهم انطون المتخذين مدينة بيروت مقرا لهم حيث أخذوا يتعاطون التجارة و تناسلوا فيها. و قد أطلق الرؤساء الروحيون ألقابا كثيرة على الكونت نصر الله والد الفيكونت فيليب، منها "شيخ الطائفة السريانية وكبير أعمادها". و قد وجه رؤساء الدين لهذه العائلة الكريمة رسائل كثيرة ملؤها الإطراء و الثناء و كانوا يحلوّن ضيوفا لدى مرورهم ببيروت على منزل هذه الأسرة الكريمة التي كان من مزاياها إنها شديدة التدين، محبّة للفقراء، غيورة على المصالح العمومية، مستقيمة في جميع معاملاتها، و لها الأيادي البيضاء في سبيل الطائفة السريانية. و قد انعم البابا لاون الثالث عشر على الكونت نصر الله طرازي والد فيليب ببراءة الكونتيّة ورفعه إلى مصاف النبلاء والأشراف.

حياته: و من هذه الدوحة النبيلة تحدّر الفيكونت فيليب فأبصر النور في 28 أيار عام 1865. دخل فيليب المدرسة البطريركية في عام 1873 مدة سنتين انتقل بعدها إلى كلية الآباء اليسوعيين حيث أمضى فيها 8 سنوات نال في نهايتها الشهادة العلمية. و قد برًّز في معرفة و إتقان اللغات العربية و الفرنسية و اللاتينية و اليونانية القديمة. تعاطى مدة التجارة صحبة والده و إخوته، و لكن نفسه كانت تنزع الى العلم و خصوصا ما له علاقة بالتاريخ.

وقد كان باكورة تآليفه "تاريخ الدولة المصرية في عهد السلالة المحمدية العلوية" الذي قدّمه مخطوطا إلى عباس الثاني خديوي مصر عام 1899. تزوج فيليب في 19 شباط عام 1900 من السيدة الفاضلة "أوجيني بسول" ثم تنقل مع عروسته في ربوع مصر و أوروبا و قابلا قداسة الحبر الأعظم لاون الثالث عشر و نالا بركته. بعد ثلاث سنوات قابل محمد الخامس العثماني ويوسف عز الدين ولي عهده و بعض وزراء السلطنة.

ليس لنا الوقت لنفي الفيكونت الفقيد حقه و نعدّد مساعيه و نستوعب مبراته إنما نكتفي بأن نقول بأنه تجشم عرق القرية في جميع ما تفرق و اندثر من أخبار البلاد الشرقية والطوائف المسيحية و إحياء ما انطمس من معالم آثارها التي كادت الأيام تذهب بها و الاغبار تخنى عليها.

ثم بذل النفس و النفيس في تأسيس دار الكتب اللبنانية، و وقف عليها تفكيره و علمه و وقته و ماله و ألوف المجلدات من خزائن كتبه، و قام من أجل دار الكتب بعدة رحلات إلى أوروبا و مصر رغبة بإنماء محتوياتها و استهدائه الكتب من المعاهد الثقافية و المجامع الأدبية و دور الكتب و الجمعيات العلمية و الدوائر الحكومية و تزويد خزائن هذا المعهد الحديث بالمجموعات الضخمة و التاًليف القيمّة و الآثار المفيدة الغالية.

فحياة الفيكونت كانت سلسلة من الجهود تضعف أمامها العزائم الأكثر صلابة و الهمم الأكثر قعسا.

كتبه المطبوعة: ألف الفيكونت في عالم الكتب عددا وافرا و جمع من الآثار الكتابية ما لا يحصى نعدّد هنا بعض ما نشره:
القلادة النفيسة في فقيد العلم والكنيسة – السلاسل التاريخية في أساقفة الأبرشيات السريانية – خزائن الكتب العربية في الخافقين (أربعة مجلدات)- اللغة العربية في اوربا (ثروتها ومكانتها) عصر العرب الذهبي – عصر السريان الذهبي- بحث تاريخي علمي عن القرآن - نبذة مختصرة في الصحف العربية المصوّرة – أصدق ما كان في تاريخ لبنان وصفحة من أخبار السريان (مجلدان)- ردّ العسف والبهتان عن كتاب اصدق ما كان، وهو مجموعة مقالات ظهرت في جريدة البيرق البيروتية ردا على بعض المتهوسين المتهورين الذين نقدوا كتابه لا نقدا نزيها بل بقواذع الكلام والسباب والشّتائم معرضين عن الحجج العقلية و البراهين النقلية التي استعان بها حضرته فكان له النصر ولخصومه الخذلان- ديوان قرّة العين- علاقات ملوك فرنسا بملوك العرب – المخطوطات العربية المصورة و المزوّقة – إرشاد الاعارب الى تنسيق الكتب في المكاتب – الجوهر الصافي في أبدع القصائد المشتركة القوافي- تاريخ الصحافة العربية (مصوّر) في اثني عشر مجلدا نشر منه أربعة مجلدات ( والباقي لم يشأ نشرها لأنه رأى- حسب قوله – انه يوجد بعض الصحافيين لا يستحقون تخليد اسمهم في كتاب رصين عالمي يستند إليه العلماء و المؤرخون في مستقبل الزمان، و هذا الكتاب هو الأول و الوحيد من نوعه في اللغة العربية).

هذا وقد وضع العلامة المرحوم فيليب دي طرازي مؤلفات عديدة غيرها في أبحاث مختلفة وبرّز بشكل خاص في القسم التاريخي الشرقي- وكان يعتمد طريقة الغرب في أساليب كتاباته بحيث كان يسند كل حادثة إلى مصادرها معزّزا إياها بالبرهان. و قد تميزت مؤلفاته عن سواها بابتكار مواضيعها التي لم يطرقها أحد قبله.

كتبه المخطوطة: إن تآليف الفيكونت دي طرازي تربو على الـ 25 نذكر منها: ترويح الأنفس في ربوع الأندلس- مشاهد السياح و السائحات من الأندلس إلى المشرق و من المشرق إلى الأندلس- تاريخ نابوليون الأول- تاريخ الدولة المصرية في عهد السلالة المحمدية العلوية- ماضي أبرشية بيروت السريانية و حاضرها- مفاخر الزمان في أشهر مشاهد لبنان- كشف العار والهوان عن زعانف الشرّ والفتن في لبنان- قطر الندى في ردّ الصدى- التحفة في تاريخ دير الشرفة- ديوان نفحة الطيب- كشف المخبآت عن سارقي الكتب وأعداء المكتبات الخ...

مجموعاته الأثرية: المجموعة الأولى هي مجموعة صحفية تضم خمسة آلاف صحيفة مختلفة من كل الجرائد والمجلات التي ظهرت شرقا و غربا في اللغات العربية و اليونانية و العبرية و الارمنية و الفارسية و الكردية و التركية و التترية و الهندية و الأوربية الخ. و رتبها ترتيبا محكماً. أُعجب بها كل من شاهدها من العلماء والمستشرقين و الصحفيين و هي مجموعة فريدة لم يسبق لأحد قبله أن يتصدى الى جمع مثلها. و له مجموعة تتضمن خطوط مشاهير الرجال و شهيرات النساء من سلاطين و ملوك و وزراء و أمراء و علماء و شعراء و أئمة دين، بالإضافة إلى مجموعات أخرى في مواضيع شتى.

اهداءاته: كما كان للفيكونت فيليب ولع في جميع الكتب. كذلك كان به ولع أيضا في إهدائها إلى أصحابه و إلى المكتبات العامة، أن أولى بها و بالاستفادة منها من أن يغلق عليها في خزائنه.

ونورد هنا أسماء بعض المكتبات التي كان لها نصيب من هداياه: المكتبة الملكية في فيينا- المكتبة الفاتيكانية في روما- المكتبة الأهلية في باريس- المكتبة الأهلية في برلين- مكتبة الجامع الأقصى في القدس- مكتبة المدرسة البطريركية في بيروت- مكتبة دير الشرفة في لبنان و قد بلغ ما أهداه إليها ألفين وستمائة مجلد مطبوع و مائتين و عشرين مجلدا و مخطوطا. أما دار الكتب الوطنية التي أسسها هو نفسه فقد نفحها بأكثر من خمسة آلاف و ستمائة مجلد مطبوع و ثلاثمائة و أربعة وأربعين مجلدا مخطوطا من كتبها العربية الخاصة.

أعماله الخيرية: كان الفيكونت فيليب من الرجال المحسنين الذين قل أن تجود الإنسانية بمثلهم. فالمساعي الخيرية التي أداها في حياته، يذكرها الناس بإعجاب وإكبار، و قد أبدى من الإحسان ضروبا، و فضائل المبرات ما تعجز عنه الجماعات، كما قام أبان الحرب العالمية الأولى بأعمال عظيمة باهرة حدت العلامة محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي على أن يقول عنه في جريدة المقتبس تحت عنوان "المحسنون": " و كالفيكونت فيليب دي طرازي في بيروت الذي لم يدع ستارا في بيته إلا خاطه ألبسة للمحتاجين و هو قد جعل ديدنه، صباح مساء، أن يوزّع الخبز والطحين على معسري بلدته...".

تاسيسه دار الكتب الوطنية: كأن ما اصطنعه من المعروف إلى المعسرين و ما نشره من التأليف في عالم الأدب و التاريخ لم يكف الفيكونت فيليب ليخلد اسمه مدى الدهر حتى راح يسعى وراء تأسيس مكتبة أهليَة، ضنا بكرامة بيروت العلمية و حفظا لمقامها الأدبي و لمساعدة الطلاب و روّاد العلم على انتهال الثقافة من ينابيعها الصافية. فأفرد في بيته مكانا جعله "نواة" لدار الكتب عام 1921- وبقيت هذه النواة في بيته طوال سنتين و قد استخدم لهذا الغرض خمسة موظفين برواتب محترمة مغرية من جيبه الخاص. ثم أخذ يراسل العلماء و مدراء المكاتب على ما سبق و قدّ منا، و قلّ منهم من أحجم عن مساعدته و تلبية طلبه نظرا لما كان له من المقام الأدبي و العلمي في دنيا الأدب شرقا و غربا. و قد جمع بعد جهد متواصل نحوا من 21 ألف من المجلدات الثمينة الجزيلة الفائدة و مئات المعاجم و الموسوعات التي يندر وجودها حتى في دور الكتب العالمية نفسها، نذكر منها:

"مجموعة الأبحاث الاوقيانوسية" لأمير موناكو ألبرت الأول و قد نشر منها سبعون مجلدا مزينة بالرسوم. ثم مجموعة "مؤرخي الحروب الصليبية" على اختلاف أديانهم ولغاتهم مطبوعة باللغة الأصلية مؤلف مع ترجمتها إلى اللغة الفرنسية الخ...

وقد عين الفيكونت أمينا عاما لدار الكتب من عام 1921 حتى عام 1940. و مما يجدر ذكره أن فخامة الرئيس اللبناني الأول كميل نمر شمعون كان موظفا عند الفيكونت فيليب في دار الكتب من سنة 1922- 1924، و كانت مهمته آنذاك درس الكتب الفرنسية وتنسيقها، وتجمع دار الكتب اليوم 80 ألف كتاب (بحسب إحصاء عام 1957).

أوسمته: لقد أكرمت الحكومات شرقا و غربا شخص الفيكونت و قدّرت مساعيه و ما بذله من الجهود في سبيل نشر الثقافة في كافة الأقطار فمنحته أوسمة رفيعة تزيد على العشرين وساما، وقد عُين عضوا في أكثر من خمس عشرة جمعية ومجمعا علميا.

و تحدث إلى كثير من الملوك والأمراء والحكام وكبار العلماء نذكر منهم غليوم الثاني إمبراطور ألمانيا و ميلان الأول ملك الصرب و ألبرت الأول أمير موناكو و الأمير رولان بونابرت عميد الأسرة البونابرتية، و محمد الخامس السلطان العثماني و البابا لاون الثالث عشر و عبد الحفيظ سلطان المغرب و فيصل الأول، ودومرغ رئيس جمهورية فرنسا وغيرهم كثيرين.

أخيرا أرى في ختام مقالي عن الفيكونت فيليب دي طرازي، أن أورد ما نشر عنه المستشرق الألماني مرتن هرتمن في كتاب رحلته إلى سوريا و لبنان قال: "زرته في منزله فخلَّفت تلك الزيارة، تأثيرات بليغة. كنت أفتكر، أن الفيكونت من المدعين بالعظمة، فإذا هو متناه باللطف، أنيس المعاشرة و نابغة، واسع المعرفة بكل شخص تطرقنا لذكره، وبكل حادثة بحثناها. و شاهدت في خزائنه ، ذخائر علمية، جمعها بسعيه و جدّه، وكلها تدل على قوة اللبناني، متى شاء أمرا، و على ذكاء الفيكونت ومقامه العلمي.

كيرلس

المساهمات : 11
تاريخ التسجيل : 22/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى