اللحظات الأخيرة من حياة سركون بولص

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

اللحظات الأخيرة من حياة سركون بولص

مُساهمة  كيرلس في الجمعة مايو 23, 2008 3:33 am

المصباحُ المتدلّي من سقفِ المقهى فوق الطاولةِ التي اختارَها ( مُؤيَّد الرَّاوي ) يمجُّ ضوءاً برتقالياً شحيحاً أضفى على وجهِهِ الجميلِ – رغمَ تقادمِ السنين - ظلالاً من كآبةٍ اتشحَتْ بهمسٍ غامضٍ . في الزاوية اليمنى غيرَ بعيدٍ عنَّا امرأتان تتناولان العشاءَ معَ النبيذِ الأبيضِ ، و تتحدَّثان حديثاً هادئاً متصلاً رتيبا. إلى جانبي من الجهةِ الأخرى رجلٌ يعاني من الضخامة والصلع ، يقبضُ بيمناهُ كأساً ضخمة ماتزالُ ترغي وتزبدُ ، نافثاً حوله من رئتيهِ سحباً من دخانٍ كثيفٍ . وساقية شقراءُ دائمة التبسُّمِ ذاتُ ردفين نافرين ومئزرٍ أبيضَ وصينيَّةٍ ، تروحُ وتجيءُ بين الزبائنِ بخفةِ النَّحلةِ ورشاقتِها .
- هل ستجري معي حواراً كتلكَ الحواراتِ الروتينية التي درجَ الصحفيون العربُ على إجرائِها ؟ سؤالٌ ثمّ يعقبُهُ الجوابُ ؟
أرجوكَ إنْ كنتَ منهم فلا تفعلْ ، فأنا أمقتُ هذه الأساليبَ المملة ..
قالَ الشاعرُ العراقي الكبيرُ هذا محتجاً وهو يقذفُ الأوراقَ التي نثرتُها أمامي بنظرةِ ازدراءٍ وأضافَ :
- دعْنا نتحدَّثْ حديثَ الأصدقاءِ أو حديثَ الذاكرةِ المتداعية . لا ترغمْني على التقيُّدِ بتسلسلٍ زمني محدَّدٍ أو خظة منتظمة ، فأنا لا أحبُّ القيودَ . ماذا تريدُ على وجهِ التحديد ؟
فوجئْتُ بسؤالِهِ وبالطريقة التي نطقَ بها السؤالَ ، غيرَ أنَّني لم أتلكَّأ في الاجابةِ ، فقد كانتِ الإجابة معدّة حاضرة أمامي على الورقِ :
- أريدُ أنْ أعلمَ منكَ كيفَ قضى الشاعرُ سركون بولص لحظاتِه الاخيرةَ قبل أنْ يودّعَ الحياة ؟ ألستَ كنتَ أقربَ الناسِِ إليه هنا ؟ ألم ترافقهُ حتى النهاية ؟ ألم يكنْ سركون يقيمُ لديكَ في مسكنِكَ المنفرد الذي حوّلته إلى صومعة لرهبان الوحي والالهام ؟
رشفَ الشاعرُ من قهوتِه في أناةٍ ثمّ قال وهو مقطِّبٌ :
- هل تعلم ؟ لقد فكرتُ قبلكَ في أنْ أكتبَ عنِ " الشهور " الأخيرةِ من حياتِهِ ، ولكنّ القلمَ أبى أنْ ينقادَ لرغبتي ، نفرَ منها - وكان ذلك عقبَ دخولي الحجرة التي كان يبيتُ فيها بعدَ رحيله بيومين - إذ وقعَ نظري على أشيائِه الخاصةِ ، أوراقِهِ ، كتبِهِ ، ملابسِهِ ، الشراشفِ والضماداتِ ، العقاقير والأدويةِ ، الزجاجاتِ الفارغةِ ، وغيرِها من الأشياءِ التي كان يستخدمُها قُبيلَ رحيلِهِ المفاجئ ، فانتابتني لمرآها حالةٌ لا أدري كيف أصفها لكَ ..
- حالة اكتئاب ؟؟ قاطعته
- لا لا .. شئ ما أعمقُ من هذه الحالة بكثير ..
- ألم يكنْ يعلمُ بدنوِّ أجلِِه ؟
- أبداً .. لم يكن هو ولا أنا نحسبُ لهذا حساباً ، لم يكن يخطرُ لنا قطُّ في بالٍ .. كنا نظنُّ الأمرَ لا يعدو أنْ يكونَ أزمة صحيَّة من تلك الأزماتِ التي كانت تجتاحُه في الآونةِ الأخيرةِ ثمَّ تنفرجُ .. كان سركون قوياً ، قويَّ البنيةِ وقويَّ الروحِ ، يزنُ فوق المئة ، ولكنه في زيارتِه الأخيرةِ بدا خائراً شاحباً ضعيفاً هزيلاً فاقداً - بحسب تقديري - أكثرَ من عشرةِ كيلوغرامات من وزنِه الحقيقي .. لم أصدِّقْ عينيَّ لدى استقبالِه في مطار برلين ، كانت زوجته ترافقه في رحلته وكانتْ تدفعُ أمامَها عربة الحقائبِ ، أما هو فكان يسيرُ خلفها ببطء مترنِّحٍ ، على كتفِه حاسوبُه الخفيفُ ، تصوّرْ ! لقد رأيته ينوءُ تحت ثقلِه ، فحملته عنه ..
- هل زوجته عراقية ؟
- لا ! زوجته ألمانية يقيم أهلُها في هامبورغ .
- أليس لهُ منها ولدٌ ؟
- كلا ! لم يُرزقْ منها ولداً .
التفتُّ نحو الساقية فدنتْ منا وهي تختالُ ، قلتُ لهُ في إصرار :
- ستشربُ الآن كأساً ، لا بدّ من أن تشربَ كما كنتَ تفعلُ هذا حين كنتَ تجالسُه في هذا المكان .
- أرجوك اعفني من الشرابِ ، يغنيني عنه كأسٌ من مياهٍ معدنية فقبلَ مجيئي تناولتُ ثلاثَ حبَّاتٍ لتهدئة آلام المعدة . ولكن كيفَ علمتَ أننا كنا نترددُ على هذه الحانة ؟
قلت :
- علمتُ بهذا من الفنان منذر حلمي ..
- آآآ صحيح ، تذكرتُ .. لقد كان حاضراً معنا في هذا المكانِ عقبَ مغادرتنا مهرجانَ الثقافةِ العراقيةِ .
تجرعتُ بقية الكأسِ ثم قلتُ :
- كان سركون يقيمُ في سان فرنسيسكو ، فما الذي كان يغريه بتكرارِ زياراتِه إلى برلين ؟
تنحنحُ الشاعرُ ، أخرجَ كيسَ تبغ من جيبِ سترتِه الرماديةِ ، وجعلَ يلفُّ بين أصابعِهِ الهادئةِ سيجارةً ناحلة وفي وجهه علاماتُ الاستذكار ثم رفعَ بصرَه نحوي وأجاب :
- لأنه كان يشعرُ بالوحدةِ ويضيقُ بالعزلة في تلك المدينةِ على الرّغم من وجودِ شقيقاته وشقيقهِ إلى جانبه ، كان عالمُه فيها ضيّقاً لا يتعدّى حدودَ مكتبته التي كان يقضي فيها جلّ وقتِه . لم يكنْ لهُ هناك أصدقاء حقيقيون فأصدقاؤه أكثرُهم هم هنا في برلين ، كان إذا قدمَ برلين ينزلُ عندي .. صداقتنا قديمة تعودُ إلى الستينات إلى زمن تأليفنا لجماعة كركوك الأدبية . وظلّت قوية متصلة في المهاجر في سوريا ولبنان حيث أسّسنا هناك تنظيماً عراقياً معارضاً قادَه فاضل عزاوي وسعدي يوسف بمساعدة طيبة قدَّمها لنا يومذاك المرحوم صلاح جديد . ثمّ طوّحتْ بنا طوائحُ الزمنِ في أرضِ الشتاتِ . ولكننا عدْنا فالتقينا . كان سركون يحبُّ المجيءَ إلينا يقيمُ عندي فنتذاكرُ الشعرَ ونتشاكى همَّ الابداعِ ونمضي ليالٍ إلى الفجرِ في نقدِ السيرةِ الشعرية لكلينا ، وفي الحديثِ عن طبيعةِ الثقافةِ المعاصرة والوضعِ الجديدِ الناشئ في العراق بعدَ سقوطِ النظام الجائرِ ، ونبحثُ معاً عن أساليبَ جديدةٍ تلائمُ طبيعة هذه المرحلة .. كنت أختلفُ معه اختلافاً شديداً في الموقفِ الشعريّ والسياسيِّ من عراقِ الحاضر .. كان سركون يقفُ من العراق موقفاً عاطفياً رومانسياً " طفولياً " يمجّدُه على علاّتِه ، ينشدُ فيه رؤاهُ الحالمة وحبَّه العميقَ من دون تمييزٍ بين ماضيه وحاضره . أما أنا فكنتُ وماأزالُ لا يستهويني إلا عراقُ الماضي البعيد المجيد وعراقُ المدينة بتقاليدِها الراقية كما في عهدِ الملكية . إنني منذ سقوط الملكيه وصعودِ الرِّعاعِ من الأريافِ والعشائرِ ومجيءِ الاسلامويين من بعدِهم إلى السلطة ، صرتُ أقرأ فيه قصيدة رثاءٍ و ذمّ ولا أقرأ فيه قصيدةَ افتخارٍ ومدحٍٍ .
كان سركون محباً للظهور " محفلياً " ولوعاًً بالمهرجانات الشعريةِ يلبّي داعيَها أينما كانت و يتكلّفُ المشقاتِ من أجلِ المشاركة فيها ، لا يراعي فيها حالته الصحية التي كانت تستوجبُ منه عناية خاصة .. شارك في مهرجان روتردام وهو يعاني من تدهورٍ شديدٍ في صحتِه ، كان خارجاً لتوِّه من المستشفى وكان مكلفاً بالامتناعِ عن الشرابِ وأصنافٍ من الطعامِ ، حذَّرَه الأطباءُ من الاستهانة بحالته ، ولكنه لم يبالِ بتحذيراتهم وانغمسَ هناك بكلِّ "موبقات" الدنيا وملذاتِها المحرَّمة ..
- هل كان مصاباً بتشمع الكبدِ كما ذكر بعضُهم ؟
- لا لم يكن مصاباً به معَ أنّه كان كلفاً بالخمرةِ ، قد أدمنَ تعاطيَها إدماناً لم يستطع وهو في أشدّ حالاته سوءاً من أنْ يقاومه .. كنت آتيه باحتياجاته حين لم يكن قادراً بنفسه أن يأتيَ بها وكان يستاءُ ويشكو حينما لا تكونُ الخمرُ بينها وهو المترفِّعُ عن المنَّةِ الأبيُّ النفس .
أخبرتني لميسُ وهي امرأة من أصلٍ عراقي تسكنُ في الشقةِ العليا من العمارةِ وتطلُّ عليه بين الفينة والأخرى ببعضِ الخدماتِ في غيابي ، أنه تحاملَ على نفسِه مرَّة وقامَ متعثراً متوجعاً إلى مخزنٍ قريبٍ ليتزوّدَ منهُ بالخمرِ ..
- ممَّ كان يشكو إذاً ؟
- كان يشكو من داءٍ في القلبِ لم ينجحِ الاطباءُ في معالجتِه بالعقاقير أو الجراحة ، ثمَّ تفاقم هذا الداءُ مع الأيام واشتدّ ثمَّ امتدَّ حتى أصابَ أعضاءَه الأخرى - كالكبد والكليتين - بقصورٍ في تأديةِ وظائفِها .. كان جسدُه يمتلئُ ماءً ويحتبسُ الماءُ في داخلِه فيتورَّمُ . فأرغمناه على الدخولِ إلى المستشفى مرَّتين إرغاماً وذلك لأنه كانَ يكرهُ دخولَ المستشفى ويمقتُ العلاجَ فيتمنّعُ . وكان – تصوَّرْ - وهو في هذه الحالة الصعبة ، عازماً على السفرِ عزماً صادقاً إلى إحدى دول البلطيقِ للمشاركة في مهرجانٍ شعريّ دُعيَ إليه ، وهو لايكادُ يحفلُ بما كنا نحذّرُ من مغبّةِ السفرِ . ولكنَّ المرضَ اشتدَّ عليه في هذه الآونةِ ففتَّ في عزمِهِ ، فنقلناه للمعالجةِ . وفي غرفة العناية المشدّدةِ غطَّ في غيبوبة عميقة لم يصحُ من بعدِها ..
- هل كان يتألم ؟ سألتُه مقاطعاً
- كثيراً .. كان في الأيام الأخيرة إذا نهضَ توجَّع وإذا قعدَ توجعَ وإذا استلقى توجعَ ، لقد أصبحَ الألم ملازماً له أو قلْ جزءاً من كيانه ، وازداد حدّة بعدَ أن اضطرَّ إلى اقتلاع ستة عشر سناً من أسنانه دفعة واحدة ، وهو مع كلِّ هذا صابرٌ متجالدٌ ومحتملٌ . وكنتُ أعجبُ له ، وأعجبُ من تفاؤله ومن إدمانِه الشعرَ وهو في قبضة الألم يعركه عركاً..
ذاكرته القوية التي لم أجدْ مثيلاً لها في القوة عندَ غيرِه ، كانت مثارَ دهشتي دائماً . كان يحفظ "آلافَ" القصائدِ والروايات والأحاديث لآلاف الشعراءِ والكتاب والفلاسفة من شتَّى العصورِ ومن شتى البلدان وقد ظلتْ ذاكرته هذه متوهجة كالنارِ المقدّسةِ لم تنطفئ إلا بوفاته ..
كنتُ وماأزالُ أنظرُ إلى الدنيا وإلى الموجودات وحركاتِ النفس نظرة المتأمِّلِ الذي يسعى إلى اكتناهِ الجواهرِ والحقائق التي تنطوي عليها هذه الأشياءُ . أمّا سركون فلم يكن يعنى بمفردات الحياة الصعبة مثلَ عنايتي .. كان ينظرُ إلى الحياة نظرة فنية انفعالية ساذجة ، كالطفل يدهشُ من أبسط الأشياء وأكثرها ألفة .. كان يعيشَ الحياة قصيدة شعرٍ بكلَّ ما تتضمَّن من زخمٍ ونشوةٍ ولذة وحلم ، فما يمرَّ أمام حواسِه المتحفزة مشهدٌ من مشاهد الطبيعة ( شجرة نهر زهر مرج شمس قمر نجم .. ) أو مشهدٌ من مشاهدِ الحياة المرصعةِ بالحركة أو الفتنة أوالجمال إلا وظّفه في خدمة شعره أواستثمره في جلاء عاطفته المتقدة ..
- كان سركون بولص آشورياً فهل كان لديه شعورٌ واضحٌ نحو قوميته ؟
- نعم ! لقد كان آشورياً حقيقياً صادقاً في حبه لقوميته وكان مسيحياً أيضاً ولم يتنكرْ لقوميته ودينه في يوم من الأيام ، كان في بعض الأحايين يعلنُ استياءَه من "تشرذم" قومِه وتشتُّتِهم وضعفهم ، ولكنه كان يحبُّهم ولا يضمرُ لهم في قلبه كراهية أو احتقارا .
- أين دفنَ بعد وفاتِه ؟
- في سان فرنسيسكو . فبعد أن أُعلن عن وفاته في المستشفى تمّ تبليغ السفارتين العراقية والأمريكية ، اتصلنا بأهله ، فأصرُّوا على أنْ يُدفنَ في مدينتهم ، أرسلت السفارة الأمريكية لنقل جثمانه شركة خاصة حملته إلى أهله ..
- هل ألقيت عليه نظرة الوداع وهو مسجَّى ؟
- لا ! لم أستطعْ أنْ أفعلَ هذا ، أردت أن يبقى حيّاً في ذاكرتي كما كانَ .
- وكم كان عددُ الذين ساروا خلف جثمانِه المنقولِ ؟
- لم يكن العددُ في الحقيقة يزيدُ على عشرة من المودعين . كانت زوجتي وبناتي وصموئيل شمعون الذي حضر من لندن وفرياد فاضل عمر وياسين ولميس وزوجته ..
- ألم يكن فاضل عزاوي بينكم ؟
- لا ..
سألته وأنا أحدّقُ إليه :
- كيف تجدُ نفسَك بعد رحيله ؟
فأجابَ الراوي في ضجر وهو يسحقُ عقبَ سيكارته في المنفضة التي أوشكت أن تمتلئَ :
- لقد ترك سركون في حياتي فراغاً .. ألجأني رحيلهُ إلى الصمتِ ، أحاولُ أن أقولَ شيئاً ، أطاردُ الكلماتِ ، ولكنَّ الكلماتِ تفرُّ مني بعيداً بعيدا ..

غادر الرجلُ الأصلعُ المترهّلُ مقعدَه القريبَ مني بلا ضجيج ، انطلقت في فضاء الحانة أغنية خفيفة هادئة ، ولّتِ الساقية ظهرَها إلينا لغسل الصحون والكؤوس في المجلى خلفَ البوفيه ، ورانَ على صدورِنا في هذه اللحظةِ حزنٌ شفٌّ كغلالةٍ رقيقة ، لبث بنا إلى أنِ اقتحمته فجأة فتاة شقراءُ ناهدة ترتدي معطفاً ضيقاً من الجلد ، رمَتْ بجسدها الممتلئ إلى جانب الشاعرِ ثمّ أخذت يدَه بين راحتيها وهي تقولُ له في حنانٍ دافئ :
- لقد رأيتك من خلف الزجاج وأنا في طريقي إلى البيت ، فلم أستطعْ أن أقاومَ رغبتي في احتضانِ يدِكَ .
ثمّ التفتت إليَّ وثغرُها مايزالُ مفترّاً قائلة :
- اعذروني على المقاطعة ، أنا أحبُّ هذا العجوزَ الجميلَ إنه صديقي سأشربُ معه فنجاناً من القهوة ثم أمضي

كيرلس

المساهمات : 11
تاريخ التسجيل : 22/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى